ما الاستراتيجيات التي تقود استثمارات أبوظبي في قطاع علوم الحياة؟
استثمار استراتيجي في علوم الحياة
خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت أبوظبي تحولًا استراتيجيًا مدروسًا يهدف إلى بناء قطاع علوم حياة قادر على المنافسة عالميًا. ما كان في السابق مجرد طموح في السياسات أصبح اليوم واقعًا يتجسد في بنية تحتية متقدمة وشراكات دولية مؤثرة وفرص عمل قابلة للتوسع.
في عالم ما بعد الجائحة، تعيد الحكومات التفكير في مفهوم المرونة الصناعية، والقدرة الصحية السيادية، وتنويع الاقتصاد. وفي هذا السياق، تبدو أبوظبي متقدمة على هذا المنحنى، حيث تحقق تقدمًا يستحق الاهتمام.
الرؤية والتزامات التمويل
يتم دفع استثمارات أبوظبي في علوم الحياة من خلال مزيج من الرؤية السيادية والتوقعات السوقية. ويستند هذا التوجه إلى الاستراتيجية الصناعية لأبوظبي وخارطة طريق علوم الحياة التي أطلقتها دائرة الصحة – أبوظبي.
وقد التزمت الحكومة بجعل علوم الحياة أحد القطاعات الصناعية الستة ذات الأولوية، مدعومة بتخصيص 10 مليارات درهم لدعم التحول الصناعي، بما يشمل تصنيع الأدوية الحيوية، وتطوير البنية التحتية للأبحاث السريرية، وتعزيز قدرات الطب الدقيق.
كما خصصت دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي (ADDED) مبلغ 500 مليون درهم لإنشاء مناطق ابتكار متخصصة في علوم الحياة تهدف إلى جذب الشركات العالمية والمشروعات الناشئة الإقليمية.
ولا يقتصر الهدف على تحفيز قصير المدى، بل يركز على بناء ركيزة اقتصادية طويلة الأمد مرتكزة على المعرفة والقيمة العالية ضمن اقتصاد دولة الإمارات.
كيف سيسهم قطاع الصناعات الدوائية الحيوية في خلق الوظائف بحلول 2035؟
الصناعات الدوائية الحيوية في صميم خلق الوظائف
يشكل قطاع الأدوية الحيوية محورًا رئيسيًا في استراتيجية خلق الوظائف في أبوظبي. ووفقًا لدائرة التنمية الاقتصادية ودائرة الصحة، تستهدف الإمارة توفير 20 ألف وظيفة متخصصة في علوم الحياة بحلول عام 2035.
هذه الوظائف ليست إدارية فحسب، بل تشمل تخصصات تقنية ومتعددة التخصصات، مثل:
- البحث والتطوير الدوائي
- إدارة التجارب السريرية
- ضمان الجودة
- هندسة العمليات
- تصنيع العلاجات البيولوجية المتقدمة
وتقود مؤسسات مثل Mubadala Health وG42 Healthcare هذا التوجه من خلال توظيف خبراء في علم الجينوم والمعلوماتية الحيوية والتشخيص الجزيئي.
وقد أصبحت مختبرات Biogenix Labs التابعة لـ G42 أكبر مركز لفحوصات كوفيد-19 في المنطقة خلال الجائحة، قبل أن تتحول إلى منصة متقدمة لتحليل الجينوم.
الشراكات العالمية وتوسع القطاع الخاص
لن يقتصر خلق الوظائف على الجهات الحكومية. فالشركات العالمية توسع حضورها أيضًا في أبوظبي.
فقد وسعت شركتا Pfizer وAstraZeneca أنشطتهما في الإمارة من خلال شراكات لتطوير الكفاءات وتوطين سلاسل الإمداد.
ومن الأمثلة على ذلك مشروع إنشاء مصنع للأدوية القابلة للحقن المعقمة من قبل شركة Globalpharma الإماراتية بالتعاون مع الشركة الصينية Sinopharm CNBG. ويعكس هذا المشروع نموذجًا يجمع بين التصنيع ونقل المعرفة والملكية الفكرية وتوفير فرص العمل.
كما أبدت شركات مثل Merck وSanofi وJohnson & Johnson اهتمامًا بإنشاء مراكز للبحث والتطوير ووحدات لدخول الأسواق الإقليمية من خلال منصات مثل سوق أبوظبي العالمي (ADGM) وHub71.
ما البنية التحتية والسياسات التي تدعم الابتكار في علوم الحياة؟
الأسس التنظيمية والبنية التحتية
يستند نظام علوم الحياة في أبوظبي إلى إطار تنظيمي وبنية تحتية مصممة خصيصًا لدعم الابتكار.
فقد أنشأت المناطق الاقتصادية المتكاملة في أبوظبي (KEZAD) مناطق صناعية معتمدة وفق معايير GMP لتصنيع التكنولوجيا الحيوية والتقنيات الطبية.
كما طورت موانئ أبوظبي ممرات لوجستية مبردة لنقل وتوزيع المنتجات الدوائية بكفاءة عالية.
وفي الوقت نفسه، عمل مكتب الأبحاث السريرية التابع لدائرة الصحة على تسريع إجراءات الموافقة على التجارب السريرية وإطلاق نظام موحد لمجالس المراجعة المؤسسية (IRB).
وبفضل هذه الإجراءات، أصبحت أبوظبي واحدة من أكثر البيئات الداعمة للتجارب السريرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي عام 2023، بلغ عدد التجارب السريرية النشطة في الإمارة 85 تجربة، بمشاركة أكثر من 10 شركات دوائية عالمية من بينها Novartis وRoche.
كيف تتعاون الجامعات المحلية مع شركات الأدوية العالمية في البحث والتطوير؟
التعاون بين الجامعات والصناعة والابتكار الجينومي
تشهد الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الصناعي نموًا متسارعًا في أبوظبي.
فقد تعاونت جامعة خليفة وجامعة الإمارات العربية المتحدة مع شركات عالمية مثل Sanofi وRoche وAstraZeneca لتطوير برامج بحثية مشتركة ومنصات متقدمة لعلم الجينوم.
ومن خلال مبادرات مثل مشروع الجينوم الإماراتي، تم حتى الآن تسلسل الحمض النووي لأكثر من 200 ألف مواطن إماراتي، مما أسهم في إنشاء واحدة من أغنى قواعد البيانات الجينية الوطنية في العالم.
ولا يمثل هذا الإنجاز قيمة علمية فحسب، بل يمثل أيضًا أصلًا اقتصاديًا مهمًا، حيث أصبحت شركات الأدوية العالمية تنظر إلى أبوظبي كبيئة سريرية غنية بالبيانات لتطوير علاجات موجهة للمنطقة.
كما يعمل مركز أبوظبي للخلايا الجذعية (ADSCC) على توسيع برامجه في الطب التجديدي والعلاج الخلوي، بما في ذلك برامج CAR-T التي تعد من التقنيات المتقدمة والنادرة في المنطقة.
هل يمكن لأبوظبي أن تصبح مركزًا إقليميًا لتصنيع علوم الحياة واستقطاب المواهب؟
مسار واضح نحو اقتصاد ما بعد النفط
إن إمكانية تحول أبوظبي إلى مركز إقليمي في قطاع علوم الحياة ليست مجرد توقعات، بل تستند إلى تقدم ملموس.
ففي عام 2023، تجاوزت صادرات علوم الحياة في دولة الإمارات 2.5 مليار درهم، حيث شكلت المنتجات المصنعة في أبوظبي نحو 65% من هذا الإجمالي، وفق تقرير ADDED السنوي لعام 2024.
وتجمع أبوظبي بين عدة عوامل تجعلها بيئة جاذبة لهذا القطاع، من بينها:
- الاستثمارات السيادية الكبيرة
- الأطر التنظيمية المتطورة
- البنية اللوجستية الحديثة
- تنمية الكفاءات البشرية
- بيئة أعمال مستقرة
وعلى عكس بعض الأسواق الإقليمية التي لا يزال نشاط علوم الحياة فيها محدودًا أو متفرقًا، تعمل أبوظبي على توحيد جهودها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة.
ورغم وجود بعض التحديات، مثل تسريع تطوير الكفاءات المحلية ومنافسة تكاليف التصنيع في آسيا، فإن المسار العام واضح.
فأبوظبي لا تكتفي ببناء المصانع وتوقيع مذكرات التفاهم، بل تعمل على إنشاء منظومة متكاملة لعلوم الحياة.
وبحلول عام 2035، قد يصبح قطاع علوم الحياة ركيزة أساسية في اقتصاد أبوظبي ما بعد النفط، ونموذجًا عالميًا لكيف يمكن للدول الصغيرة ذات القدرات العالية أن تقود الابتكار في مجال الصحة.